علي بن محمد البغدادي الماوردي

42

أدب الدنيا والدين

المرء عدو ما جهل وأنا أكره أن تكون عدو شيء من العلم وأنشد : تفنن وخذ من كل علم فإنما * يفوق امرؤ في كل فن له علم فأنت عدو للذي أنت جاهل * به ولعلم أنت تتقنه سلم « 1 » وإذا صان ذو العلم نفسه حق صيانتها ولازم فعل ما يلزمها أمن تعيير « 2 » الموالي وتنقيص المعادي وجمع إلى فضيلة العلم جميل الصيانة وعزة النزاهة « 3 » فصار بالمنزلة التي يستحقها بفضائله . وروى أبو الدرداء أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : العلماء ورثة الأنبياء لأن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم . وروى أبو هريرة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال للأنبياء : على العلماء فضل درجتين وللعلماء على الشهداء فضل درجة . وقال بعض البلغاء : إن من الشريعة أن تجل « 4 » أهل الشريعة ومن الصنيعة أن ترب « 5 » حسن الصنيعة « 6 » فينبغي إن استدل بفطنته على استحسان الفضائل واستقباح الرذائل أن ينفي عن نفسه رذائل الجهل بفضائل العلم وغفلة الإهمال باستيقاظ المعاناة « 7 » ويرغب في العلم رغبة متحقق لفضائله واثق بمنافعه ولا يلهيه عن طلبه كثرة مال وجدة « 8 » ولا نفوذ أمر وعلو منزلة فإن من نفذ أمره فهو إلى العلم أحوج ومن علت منزلته فهو بالعلم أحق . وروى أنس بن مالك « 9 » عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : إن الحكمة تزيد الشريف شرفا وترفع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك .

--> ( 1 ) سلم : مسالم ومصالح . ( 2 ) تعبير الموالي : تقبيح الصديق . ( 3 ) النزاهة : نزه الرجل إذا تباعد عن كل مكروه . ( 4 ) أن تجل : من أجله إذا عظمه . ( 5 ) أن ترب : يقال رب الأمر يربه إذا ساسه وقام بتدبيره : ومنه قيل للحاضنة : رابّة . ( 6 ) الصنيعة : هي ما اصطنعته من خير . ( 7 ) المعاناة : الممارسة للشيء . ( 8 ) وجدة : وجد في المال وجدا بضم الواو وفتحها . ( 9 ) أنس بن مالك : يكنى أبا حمزة خادم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خدمه عشر سنين روي له عن رسول اللّه 1266 حديثا وكان أكثر الصحابة ولدا وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة سنة 93 وعمره أكثر من مائة سنة .